أحمد ياسوف

138

دراسات فنيه في القرآن الكريم

وطعامها ، مما يدل على أنه خصص للكافرين والعصاة والجبابرة ، وهو يدل على مرتبة بهيمية ، هي شأن أهل النار الذي يطعمون من العذاب ، لتملأ البطون كما لم تملأ في منظورهم الدنيوي ، ويبقى أن إذاقة الرحمة ليست إلا تبكيتا وتعنيفا للمنكرين ، وإن ذاقوا في حال الرضا ، فإن اللّه يعرف مكرهم ، ولذلك ناسبهم فعل الذوق الحيواني . والذوق حاسة مباشرة ينعدم عندها الوسيط المكاني بين الجسم والمنبّه ، إلى جانب حاستي اللمس والشم من حواس الإنسان ، بخلاف الحواس العليا السمع والبصر وهما تحتاجان إلى وسيط مكاني ، فثمة تداخل بين الجسم والمنبه ، لأن المذوق يدخل الجسم . فالكلمة تجسم للبصر معاناتهم الداخلية للعذاب ، وحسية التذوق وتداخله مما يبعث على التهويل ، إضافة إلى إسباغ الطبع الحيواني ، فكان حقيقا أن تقرن هذه الكلمة بعذاب الآخرة ، لأنها تمثل أقصى المباشرة في التلقّي الجسماني ، وقد وردت هذه الكلمة في تذوق الوبال والبأس والعذاب وبعثت في الذهن صورة النار تأكل الأحشاء بعد أن تصل إلى اللسان . أما الآية الأخرى : فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [ النحل : : 112 ] فهي تقدم صورة مركبة ، وقد أسهب يحيى بن حمزة العلوي ( - 745 ه ) في تعليقه على الآية وقال : « والظاهر من هذه الاستعارة هو التخييل ، لأن اللّه تعالى لما ابتلاهم لكفرهم باتصال هاتين البليتين ، ولما استعار اللباس هنا للمبالغة في الاشتمال عليهم أخذهم الوهم في تصوير ما للمستعار منه من التغطية والستر والاسترسال وعليه لمزيد البيان في ذلك ، وإن جعلته من باب التحقيق للاستعارة فتقريره هو أن ما يرى على الإنسان عند شدة الخوف والجوع من الضعف والهزال وامتقاع اللون وعلو